كلمة د. ثائرة شعلان  

مدير إدارة البرامج بالمجلس العربي للطفولة والتنمية

 

 في ورشة عمل

"وضع معايير عربية لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية" 

8 – 10 أبريل/ نيسان 2008

  

قال تعالي: "فأما اليتيم فلا تقهر".

 

لأن الدين يقوم على التراحم والعدل وإعلاء قيمة الإنسان والمحبة والتآخي، فقد أوصانا باليتيم.

 

ولكن هل اليتيم الذي أوصانا به الدين هو من فقد أبويه؟ إنها قضية تحتاج إلى النقاش.   

 

من هو اليتيم؟

 

   قد يعتبر البعض أن الأطفال فاقدى الرعاية الوالدية هم من فقدوا أحد أو كلا الوالدين عن طريق الوفاة، ولكن الحقيقة أن هؤلاء يشكلون شريحة واحدة فقط ضمن شرائح أخرى تضم الأطفال المولودين خارج نطاق الزواج الشرعي والأطفال التائهين من ذويهم والمسروقين والمتاجر بهم، والأطفال الذين فقدوا أهلهم في الحروب والأطفال الذين تخلى ذووهم عنهم ولجأوا للشارع إلى آخره.

 

   وليس هناك أعداد معلومة عن الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية في العالم العربي اليوم، ولكن الدلائل تشير إلى تزايد أعدادهم بسبب التغيرات الجذرية التي يشهدها في منظومته الأسرية والاقتصادية والاجتماعية والسلوكية. فانتشار الحروب والصراعات في المنطقة من ناحية وتزايد نسب الفقر من ناحية أخرى وزيادة نسب الزواج العرفي أو المساكنة أو غيره من أنواع الزواج والعلاقات غير المقننة وعدم الاعتراف بهؤلاء الأطفال هو مأساة إنسانية بكل المعاني، ونحن اليوم أمام مسئولية أخلاقية ودينية وإنسانية واجتماعية يجب أن تتحول إلى مسئولية قانونية لإنقاذ هؤلاء الأطفال من النبذ والاستبعاد والتهميش الذي يعرضهم للانتهاك والمخاطر.

    إن الضحية الأولى هم الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في وضع ليس لهم يد فيه، ويتعرضون لفقد الكثير من حقوقهم الأساسية كالحق في التعليم، والعلاج، والغذاء والكساء إلى غير ذلك من الحقوق التي نصت عليها الأديان السماوية والاتفاقيات الدولية. أن هذه الشريحة الواسعة من الأطفال الذين يفتقدون لرعاية الوالدين يتعرضون في أحيان كثيرة للعديد من المخاطر التي تنتهك حقوقهم وإنسانيتهم وتعوق تطوير مهاراتهم الاجتماعية وقدراتهم على خلق روابط وعلاقات اجتماعية طويلة الأمد. وهم يحتاجون للمساعدة وعلينا اليوم كحكومات ومنظمات مجتمع مدني أن نواجه بجرأة وبالعمل والمثابرة قضية حماية هؤلاء الأطفال.

 

    ويحتاج العالم العربي اليوم وبشدة إلى إرساء وتقوية منظومة حماية الأطفال، وتقديم الرعاية البديلة المناسبة لهؤلاء الأطفال.

 

   كما يحتاج العالم العربي اليوم إلى الحديث بصراحة وجرأة عن وضع المرأة، وتقنين العلاقات بين الشباب، وقضية التبني لحل مشكلة الأطفال مجهولي النسب. والأطفال المهجورين من قبل أهاليهم. ودعم الأسر الفقيرة للإبقاء على أطفالها وعدم التخلي عنهم بسبب الفقر، والعمل على إنشاء وتقوية مكاتب الإرشاد الأسري

 

   ويحتاج العالم العربي للعمل على الوقاية من وجود أطفال بدون رعاية أسرية، من خلال القوانينوالخدمات التي يجب أن تقدم لأسر الأطفال والأسر البديلة، وتشجيع وجود الطفل في إطار أسرة مراعاة لحاجاته الإنسانية واحتياجه للحنان والحب والتوجيه والرعاية والجو الأسري لكي ينشأ في أمان ويحقق التوازن النفسي والعقلي.

 

   إننا نقسو قسوة شديدة على هؤلاء الأطفال ونتناسى ديننا وقد أوصانا بهم ربنا، كما أننا نتناسى حقوقهم كأطفال في الحب والرعاية ليكبروا متوازنين محبين لمجتمعاتهم، ونقسو على مجتمعاتنا التي تحرم من خدمة هؤلاء الأطفال لها إذا ما حرموا من الرعاية والتعليم والحب. إن رعاية هؤلاء الأطفال بقدر ما هي قضية دينية وإنسانية هي قضية حقوقية وتنموية لا يمكن التغاضي عنها. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أكثر من موضع أهمية تربية اليتيم لما في ذلك من مصلحة خاصة به ومصلحة عامة لمجتمعه لأن إهمال هؤلاء الأطفال يعني إهمال جزء أساسي في المجتمع.

 

    ولأن الطفل عاجز عن حماية نفسه تصبح حمايته مسئولية اجتماعية لا تتم بشكل اختياري بل هي مسئولية إلزامية يجب أن تتولى فيها الحكومات دورا أساسيا تساندها فيه منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية لمتابعة رعاية هؤلاء الأطفال في إطار أسري سليم.      

   لذلك سعى كل من المجلس العربي للطفولة والتنمية وجامعة الدول العربية والمنظمة الدولية لقرى الأطفال SOS ومبادرة حماية الأطفال لعقد ورشة العمل هذه لوضع موجهات إرشادية ومعايير عربية تعين الدول العربية في وضع استراتيجيات لمواجهة مشكلة الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية.

 

    وفي هذا المقام يسعدني أن أشير إلى التعاون المثمر القائم بين المجلس العربي للطفولة والتنمية وجامعة الدول العربية والاهتمام المتزايد من قبل الأمانة العامة وأمينها العام بالقضايا الاجتماعية والتنموية خاصة في قضايا الأطفال، وما تبذله إدارة الأسرة والطفولة في الجامعة من جهد طيب للدفع بقضايا الطفل العربي. وما تعقده من شراكات على كل المستويات مع المجتمع المدني لتنفيذ التوصيات والخطط والاتفاقيات العربية التي أقرت على مستوى القمم أو اللجان المتخصصة. وأتقدم بالشكر للمنظمة الدولية لقرى الأطفال sos لمساهمتهم ودعمهم المادي والمعنوي لعقد هذه الورشة، كما أشكر اليونيسيف ومبادرة حماية الأطفال.

 

    ونتمنى من المشاركين في هذه الورشة، التي ستستمر 3 أيام، ويشارك فيها نخبة مهمة من الخبراء المختصين في المجالات القانونية والاجتماعية والدينية والمجالس الوطنية ومنظمات المجتمع المدني العربية، والذين جاءوا يشاركون بخلفياتهم العلمية والدينية والاجتماعية المختلفة وهم حاملون هموم أوطانهم وهموم الأطفال الذين يعملون معهم وأغلبهم قادم من الميدان، نتمنى أن يناقشوا القضية وتحت قبة جامعة الدول العربية بقلب وعقل مفتوح لنصل إلى الرؤية السديدة والعلاج الناجع الممكن لواحدة من أكثر المشكلات تأريقا للضمير الإنساني والديني.

المصدر: موقع مجاف
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1034 قراءة
Square_217

ساحة النقاش

أعضاء المنتدى منظمات و أفراد

Newsletter

أصداء مجداف

نشرة إلكترونية عن موقع منتدى المجتمع المدني العربي للطفولة يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية بدعم من برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، للإطلاع على الأعداد الصادرة للنشرة اضغط هنا

اشترك فى النشرة البريدية

أحدث المقالات