المجلس العربي للطفولة والتنمية

 ورقة بحثية عن:

إرشاد إخوة المعاق بالسيكو دراما

اعداد: د. سهير عبد الفتاح

خبيرة المجلس العربي للطفولة والتنمية

 

يمثل الطفل ذو الاحتياجات الخاصة عائقا فى حياة إخوته وأسرته. ويبدو هذا واضحا أكثر فى الأوساط الشعبية التى ينتشر فيها الفقر والأمية، وتقسو الظروف على الجميع، وخاصة على الأطفال الذين يجدون أنفسهم محرومين من أبسط أشكال الرعاية. فالزواج يتم بصورة لا تراعى فيها الشروط الصحية التى تضمن إنجاب أطفال أسوياء. وظروف الأسرة وإمكانياتها المادية لا تمكنها أيضا من ضمان هذه الشروط لأبنائها أو تحسين الظروف التى يعيشون فى ظلها. والآباء والأمهات يجهلون أبسط المبادئ والقواعد المتعلقة بالتعامل مع الأطفال بشكل عام وخاصة مع المعاقين وذوى الاحتياجات الخاصة الذين يمثلون عبئاً مادياً ونفسياً ثقيلا على آبائهم وإخوتهم، سواء فى الأسر الفقيرة، أو حتى فى الأسر الغنية، مما يستدعى التفكير فى الطرق التى نستطيع بها مساعدة هذه الأسر فى تحمل أعبائها والتعامل مع أطفالها المعاقين بما يساعد على التخفيف عنهم وقبول الآخرين لهم.

والإعاقة ليست مشكلة خاصة بالمعاقين وأسرهم. وإنما هى مشكلة يواجهها المجتمع كله. فالمعاقون أو ذوو الاحتياجات الخاصة تتراوح نسبتهم فى بعض المجتمعات العربية بين 2% و 3% من السكان كما جاء فى دراسة للدكتور/ هشام الشريف عن "الإستراتيجية القومية للتصدى لمشاكل الإعاقة فى مصر".

والإعاقة من جانب آخر ليست نوعا واحدا. فالإعاقات العضوية السمعية والبصرية وغيرها تختلف عن الإعاقات الذهنية أو العقلية. كما أن درجات الإعاقة تختلف، وتختلف تأثيراتها، وتختلف بالتالى أشكال التصدى لها.

والشعور بالإعاقة وبتأثيراتها يختلف حسب درجة القرب أو البعد من الشخص المعاق. شعور الإخوة وبقية أعضاء الأسرة بالإعاقة التى يعانى منها أحد أفرادها غير شعور الآخرين الذين لا تربطهم بالشخص المعاق رابطة خاصة. وفى هذا يقول الباحث الأمريكى هاردمان Hardman أنه لا يوجد وسط يتأثر بوجود طفل معوق أكثر من الأسرة. فولادة طفل متخلف عقليا قد تغير من كيان الأسرة. واستجابات أعضائها وتفاعلهم بعضهم مع بعض، ومع الطفل المتخلف عقليا.

من هنا كان التركيز فى هذا البحث على إخوة المعاق وعلى الأساليب والوسائل التى نستطيع بها إرشادهم ليتقبلوه ويساعدوه على التغلب على إعاقته والتخفيف من تأثيراتها السلبية وتنمية قدراته والاندماج فى حياة الأسرة وحياة المجتمع.

الإعاقة وإخوة الطفل المعاق:

ويعتقد معظم الباحثين فى مشكلة الإعاقة أن إخوة الطفل المعاق يشاركونه معاناته، أو يعانون مشكلته أكثر منه، ويستطيعون أن يساعدوه أكثر من غيرهم، ولكنهم يحتاجون إلى الخبرات والإرشادات التى تمكنهم أولا من التغلب على معاناتهم الشخصية، وتمكنهم بالتالى من مساعدة أخيهم المعاق.

وقد تصدى لبحث هذا الجانب عدد من الأساتذة المتخصصين منهم الدكتور عبد المطلب القريطى الذى يرى أن وجود الطفل المعاق فى الأسرة "له تأثيرات سلبية على توافق إخوته بسبب ما تفرضه بعض الأسر على نفسها من عزلة تحد من فرص اندماج إخوة الطفل واختلاطهم بالآخرين فى الحياة والمناسبات الاجتماعية، وربما بسبب تململ إخوة الطفل وامتعاضهم من الانشغال المستمر للوالدين بهموم الطفل واهتمامهما برعايته".

ويقول الدكتور إبراهيم مرسى فى كتابة "مرجع فى علم التخلف العقلى" إن إخوة الطفل المتخلف "قد يتأزمون أكثر من والديهم بسبب قلة الخبرة وعدم النضج وكثرة الأسئلة التى تجول فى عقولهم عن تخلف أخيهم. وكلما كبر الإخوة والأخوات زاد خوفهم من نظرة المجتمع إليهم وإلى أخيهم. وقد يشعرون بالحرج الاجتماعى، ويجدون صعوبة فى التوافق مع الناس ويبتعدون عن الأصدقاء". كما أشار باحثون آخرون إلى أنه عادة ما يشعر أشقاء الأطفال غير العاديين بالمشاعر نفسها التى يشعر بها الآباء ويكونون مثلهم مثقلين بالهموم، ومشغولين بتساؤلات عديدة تبحث عن جواب من مثل: لماذا حدث ذلك؟ وماذا سأقول لأقرانى عن حالة أخى؟ وهل سيتعين على العناية به طوال حياتى؟ وهل ستختلف حياتى المقبلة نتيجة هذا الحدث؟

هذه الأسئلة تشير إلى مجموعة من الإرشادات التى يحتاج إليها إخوة الأطفال المعوقين، ومنها حاجتهم إلى معرفة كل ما يتعلق بالإعاقة من معلومات، وطرق التكيف معها، بالإضافة إلى فهم متطلبات الطفل المعاق والتدريب على الأساليب التى يمكن التعامل معه من خلالها. وفى هذا المجال تلعب الثقافة والفن دورا خطيرا سواء فى الإجابة على أسئلة الأخوة ومساعدتهم فى التغلب على معاناتهم والتكيف مع ظروف الإعاقة ومواجهة تأثيراتها السلبية عليهم، أو فى علاج الأخ المعاق ومساعدته فى كسر الحواجز القائمة بينه وبين الآخرين والاندماج فى حياتهم.

ما الذى تستطيع الثقافة والفنون أن تقدمه للطفل المعاق وأخوته؟ وما هى الأساليب والوسائل التى يمكن من خلالها سد الفجوة بين المعاقين وذويهم؟ وكيف نقدم إرشادا ثقافيا وفنيا لعلاج هذه المشكلة؟

دور الثقافة فى علاج الإعاقة:

لاشك أن الثقافة عامة تساعد على فهم الأسباب المؤدية للإعاقة، كما تساعد على قبول المعاقين والتعاطف معهم وتشجيعهم على التعبير عن أنفسهم وتنمية قدراتهم والاندماج بقدر الامكان فى المجتمع الذى يعيشون فيه.

والثقافة التى نقصدها هنا لها معنيان! الأول هو الثقافة العامة، أى الاستنارة، والعقلانية، وسعة الأفق، ورحابة الصدر، وقبول الآخرين. وباختصار كل ما يجعل الإنسان قادرا على التعامل مع غيره من البشر بفهم وإدراك ورغبة فى تحسين شروط الحياة بالنسبة للجميع، والتعاون مع الجميع لصالح الجميع.

والمعنى الآخر للثقافة المقصود هنا هو المعنى العلمى المتمثل فى الثقافة النفسية التى تستطيع أن تخضع الإعاقة للبحث العلمى، وأن تزود المجتمع عامة والأسرة خاصة بالمعلومات والخبرات التى تساعد الجميع على التعامل مع المعاقين بما يجعل الأسرة مهيأة نفسيا وماديا لقبول الطفل المعاق وتوفير أفضل الشروط التى تساعده على مقاومة إعاقته، وتنمية قدراته، والاندماج فى مجتمعه الصغير والكبير.

ومن المعروف أن البيئات الشعبية خاصة فى بلادنا تميل إلى تفسير الإعاقة بشكل عام، والإعاقة الذهنية خاصة تفسيراً بعيداً عن الواقع، لأن المدارك قاصرة، والصدمة عنيفة، والتفسير الوحيد المتاح فى هذه البيئات هو التفسير الخرافى. والإعاقة فى هذا التفسير تكون نوعا من العقاب الذى حل على الأسرة أو على هذا الطفل بالذات، والمعاق ذهنياً يبدو وكأنه ممسوس، أو خاضع للأرواح الشريرة.

وهذه النظرة الخرافية، تحول بين المعاق وبين المجتمع عامة وإخوته وأسرته بشكل خاص، وتجعله كائنا مخيفا يتجنبه الجميع، وتعرضه لأنواع من الأذى والقسوة الشديدة، وتحرمه من عطف أسرته ومن الاتصال بالآخرين.

ومن الطبيعى أن تنعكس معاملة الأسرة لطفلها المعاق بهذه الطريقة على الأسرة نفسها، إذ يشعر أفرادها بالذنب لأنهم يعاملونه بهذه الفظاظة الوحشية، أو يشعرون بالنقص لأن لهم أبنا معاقا يطلقون عليه أسماء مهينة تعرضه للسخرية وتنتقص من قدره.

وقد تبالغ بعض الأسر، خاصة الغنية، فى تدليل أبنها المعاق وتعامله بطريقة تحرمه من الاعتماد على نفسه وتشعره دائما بالحاجة إلى غيره، وتشعر إخوته وأهله عامة بأنه عالة عليهم. وتكون النتيجة مماثلة لما تسببه المعاملة القاسية، وهى عزلة الطفل المعاق، وعجزه عن الاندماج. وفى كلتا الحالتين تلعب الثقافة التقليدية السائدة دورا سلبيا لابد من معالجته بثقافة أخرى تقدم المعلومات الحقيقية والتفسيرات الصحيحة والإرشادات المفيدة للمجتمع عامة وللأسرة المعنية بشكل خاص.

والحاجة إذن ماسة لتفسير موضوعى للإعاقة يجعلها مفهومة ويخرجها من إطار التفسيرات الخرافية. هذا التفسير الموضوعى هو الأساس الذى نبنى عليه برنامجا مزدوجا للتعامل مع الطفل المعاق من ناحية لمساعدته وتعليمه وتدريبه على الاندماج، وللتعامل من ناحية أخرى مع المجتمع والأسرة والأخوة لمساعدتهم فى التعامل بإنسانية وفهم مع الطفل المعاق وقبوله واحتضانه والتخلص من الشعور نحوه بالذنب أو بالنقص.

العلاج النفسى ودور الأسرة:

لكن الإعاقة لها نتائج لا تنفع معها الثقافة وحدها أو الإرشاد وحده فى بعض الأحيان، وإنما تحتاج فوق ذلك إلى العلاج النفسى على يد أطباء نفسانيين محترفين أو على يد أفراد الأسرة الذين يمكن أن يساعدوا الأطباء ويكملوا عملهم. وفى هذا يقول الدكتور عبد المطلب القريطى فى كتابه "سيكولوجية ذوى الاحتياجات الخاصة وتربيتهم": "أما الخدمات التى تتعلق بالوالدين والأسرة كمشاركين فى علاج الطفل وتعليمه، أو كميسرين لعمل الأخصائيين فتشمل إعادة تعليم الوالدين وتطوير مهاراتهم فى معاملة الطفل وتعليمه من خلال تعريفهم باحتياجاته وسبل إشباعها، وبكيفية توفير الخبرات والمواقف والأنشطة التى تستثير حواسه وتنشط استعداداته، وتمكنه من زيادة معدلات تعليمه فى بيئة المنزل، وتستخدم فى هذا الصدد برامج إرشادية وتعليمية تمكنهم من القيام بدورهم فى تصميم الواجبات التعليمية والتدريبية للطفل ومتابعتها، كما تستخدم برامج تدخلية تعليمية تقوم على رعاية الطفل فى كنف أسرته عن طريق أحد والديه تحت إشراف المتخصصين مثل برنامج بورتيج Portge project للتربية المبكرة".

ويشير الدكتور فتحى السيد عبد الرحيم فى كتابه  "قضايا ومشكلات فى سيكولوجية الإعاقة ورعاية المعوقين". إلى "أن الآباء والأمهات يختلفون فى قدر المسئولية التى يتحملونها. فبعضهم قد يكونون امتدادا مباشرا لاخصائى العلاج ويتبعون ما يقدم إليهم من تعليمات. وبعضهم يتعلم المبادئ العامة لتعديل السلوك، ويمكن أن يسمح له بتخطيط البرامج الخاصة وتنفيذها مع توافر حد أدنى من التوجيه من قبل المتخصصين.

وأيا كانت طبيعة المساهمة التى تقوم بها الأسرة فى التصدى لهذه المشكلة. فالدور الذى تقوم به بكل أفرادها فى التصدى للإعاقة وعلاج الطفل المعاق دور حاسم. الآباء لهم دور يتفق مع طبيعة العلاقة التى تربطهم بأبنائهم. والإخوة لهم دور آخر لا يقل أهمية عن دور الآباء، لأن أعمارهم متقاربة مع عمر شقيقهم المعاق، وهم الأقرب إليه فى معظم الأوقات، فى البيت وفى خارج البيت. وهم الأكثر تعرضا للمشاكل النفسية المترتبة على قرابتهم لطفل معاق، وهم حلقة الوصل بين شقيقهم وبقية الأطفال سواء أبناء الجيران أو زملاء الدراسة، وهذا هو الوسط الذى نستطيع أن نجرب فيه إرشاد إخوة الطفل المعاق بالفن عامة، وبالسيكو دراما بوجه خاص.

إن الفن فى نظر الطفل نوع محبوب من أنواع اللعب، وشكل من أشكال التعبير عن النفس والترفيه عنها، كما يمكن أن نجد فى الرسم والنحت والرقص والموسيقى، وبالذات فى المسرح الذى استخدم فى العلاج النفسى فيما سمى "السيكو دراما" Psychodrama. وسوف أعتمد فى هذا الجزء على تجربة حية اتصلت فيها عدة سنوات بذوى الاحتياجات الخاصة وإخوتهم، وحاولت أن اقترب منهم وأدخل عالمهم وأفهم مشاعرهم، وذلك حين كنت أتولى إدارة ثقافة الطفل بالهيئة العامة لقصور الثقافة. كما مكننى عملى من الاتصال بالعاملين فى هذا المجال، المشتغلين بالطب النفسى، وأسر المعاقين، والقائمين بالعمل فى المؤسسات المعنية بالإعاقة الرسمية والأهلية. وخلال ذلك قمنا بعدة تجارب من أهمها فى تقديرى تجاربنا فى المسرح النفسى، أو السيكو دراما التى تتصل من ناحية بالطب النفسى، ومن ناحية أخرى بفن المسرح، وخاصة مسرح الطفل الذى كان لابد أن ندخل منه إلى المسرح النفسى. لأن المسرح النفسى يجب أن يتسع للمعاقين وغير المعاقين، فهو ليس مجرد علاج وإنما هو فن أيضاً، أو هو علاج عن طريق الفن. فما هو مسرح الطفل؟ وما هى خصائصه؟

تابع....

المصدر: موقع مجاف
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 313 قراءة
Square_217
نشرت فى 17 نوفمبر 2013
بواسطة megdaf

ساحة النقاش

أعضاء المنتدى منظمات و أفراد

Newsletter

أصداء مجداف

نشرة إلكترونية عن موقع منتدى المجتمع المدني العربي للطفولة يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية بدعم من برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، للإطلاع على الأعداد الصادرة للنشرة اضغط هنا

اشترك فى النشرة البريدية

أحدث المقالات