المنظمات غير الحكومية وظاهرة أطفال الشوارع قضية بناء القدرات

إعداد: شهيدة الباز خبيرة ومستشارة دولية في الاقتصاد السياسي للتنمية

ورقة عمل مقدمة إلى: ندوة " أطفال الشوارع .. حماية ووقاية" القاهرة: 5 سبتمبر2007

ترتبط ظاهرة أطفال الشوارع ـ مثل أية ظاهرة اجتماعية ـ بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة فى المجتمع فى لحظة تاريخية معينة. وتعتبر هذه الظاهرة عرضاً اجتماعياً لأسباب اجتماعية واقتصادية أعمق من هذا العَرض. ولذلك فإن التصدي لها لا يمكن أن يحقق غايته النهائية إلا إذا قام على أساس نظرة شمولية تحلل وتعالج الظاهرة وأسبابها المجتمعية الجذرية فى الوقت نفسه. كما تحتاج مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع، إذا كان الهدف الاستراتيجي هوالقضاء عليها، إلي تكاتف جهود القوى الفاعلة سواء على مستوى الدولة بمؤسساتها الرسمية، أو على مستوى المجتمع بشكل عام ومنظمات المجتمع المدني وفي قلبها المنظمات غير الحكومية بشكل خاص.

ومن هنا يتحدد الهدف من هذه الورقة الموجزة، والذي يتلخص في الإجابة عن السؤال: كيف يمكن تفعيل دور المنظمات الأهلية الناشطة في مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع من خلال بناء قدراتها ؟ ومن الملاحظ أن ظاهرة أطفال الشوارع تتداخل مع غيرها من ظواهر "أطفال في خطر" من حيث تداخل الممارسات من ناحية، ومن حيث إنها تحدث لهؤلاء الأطفال بسبب ظروف صعبة ليس لهم يد فيها من ناحية أخرى. مثال ذلك ظواهر عمالة الأطفال والدعارة والتعاطي وإدمان المخدرات والإتجار فيها،وكذلك التسرب الدراسي، وارتباط كل ذلك في علاقة سببية بالفقر وانخفاض المستوى الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، وانتشار العشوائيات كانعكاس لأزمة المساكن. كما ترتبط الظاهرة في المنطقة العربية بالحروب والنزاعات المسلحة. ويضاف إلى ذلك التفكك الأسرى وتدهور النظام التعليمى

ومحدودية شبكة الأمان الاجتماعى.

[1] ولذلك يلاحظ تواجد الظاهرة في المجتمعات العربية ذات الدخل المنخفض، وتلك التي تتسم بالتفاوت الشديد في توزيع الثروة والدخل. وتعتبر ظاهرة أطفال الشوارع بحجمها وسماتها الحالية ظاهرة حديثة نسبياً فى البلاد العربية. وقد ارتبط نموها وتبلورها كظاهرة مجتمعية بتزايد معدلات الفقر وتزايد الاستقطابوالاستبعاد الاجتماعى كإحدى النتائج السلبية لسياسات العولمة المتمثلة في برامج التكييف الهيكلي والإصلاح الاقتصادي، كما ترتبط ظاهرة أطفال الشوارع بأنماط التنمية غير المتكافئة بين الريف والحضر التى تؤدي إلي تزايد معدلات الهجرة الداخلية. ورغم تصاعد ظاهرة أطفال الشوارع في مختلف البلاد العربية، بحيث أصبحت مشكلة تفرض نفسها علي المجتمع والدولة، فإنه لم تتوافر حتى الآن إحصاءات دقيقة حول حجم هذه المشكلة وسماتها المميزة بشكل عام، وفي كل قطر علي حدة في علاقتها بالاقتصاد السياسي للدولة المعنية. ورغم الاهتمام الفعلي لبعض الدول العربية مثل مصر واليمن

[2] والذي تجلي في إعداد استراتيجيات تهدف إلي القضاء علي ظاهرة أطفال الشوارع ، وحيث كان أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة هو إعداد قاعدة بيانات لهذه الظاهرة، وخاصة أنها أكثر ظواهر الأطفال في خطر ندرة من حيث المعلومات والبيانات ذات العلاقة. وتتجلي أهمية معرفة حجم الظاهرة في حالة حتى وضع البرامج والسياسات اللازمة لمواجهتها، فإن تحديدهم إحصائياً يواجه الكثير من الصعوبات نتيجة لعدم توافر تعريف دقيق متفق عليه لمن هو طفل الشارع، ومن ثم يجب تقريب الرؤى العربية بحيث يمكن الاتفاق علي تعريف جامع مانع لطفل الشارع، مما سيساعد حتما في وضع السياسات والبرامج الملائمة.

وتتحدد الرؤية الاستراتيجية لحماية وتأهيل أطفال الشوارع في الدول العربية استنادًا إلى فكرة "حقوق الطفل" كجزء من حقوق الإنسان، كما وردت فى القوانين الوطنية الخاصة بالطفل، وفى الاتفاقيات والقواعد الدولية التى صدقت عليها الحكومات العربية وعلى قمتها "اتفاقية حقوق الطفل"، حيث إن التصديق على هذه الاتفاقيات يجعلها جزءًا من البناء التشريعي الوطنى، ومن ثم يجب الالتزام بما تنص عليه. وقد صدقت الدول العربية الخمس التي سيتم تطبيق الاستراتيجية العربية لأطفال الشوارع وهي؛مصر، المغرب،السودان،لبنان،اليمن. وعلى الرغم من أن المشروع سوف يطبق في خمس بلاد عربية فقط، يمكن لدول عربية أخرى تواجه نفس المشكلة أن تستفيد عن طريق التشبيك وتبادل المعلومات والخبرات والأفلام الوثائقية.

ويتحدد الهدف البعيد أو النهائي لاستراتيجيات القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع، بأنه من خلال الالتزام بحماية هؤلاء الأطفال، ومواجهة وعلاج الظروف التى دفعت بهم إلى الشارع، وتوفير آليات إعادة تأهيلهم ، يتحقق الهدف بتمكينهم من الاندماج فى المجتمع بالشكل السليم ، الذى يمكنهم من الحصول على حقوقهم في البقاء، والنماء، والحماية، والمشاركة في صنع القرارات والسياسات التي تتعلق بحياتهم ، علي أن يتم التمتع بهذه الحقوق دون تمييز علي أساس النوع،أوالثروة والمستوى الاجتماعي، أو العرق، أوالدين، أو العنصر.

وتحدد الاستراتيجية العربية لأطفال الشوارع

[3] الأهداف الرئيسية التالية:

1 ـ تمكين أطفال الشوارع من خلال المشاركة ويتضمن ذلك تدريب الإخصائيين الاجتماعيين، ومعلمي الشارع، والموجهين النفسيين، والعاملين بالخدمات الصحية من أجل تأهيلهم للعمل على تغيير وجهة نظر أطفال الشوارع عن أنفسهم، وتنمية مشاركتهم في التخطيط للخدمات التي تقدم إليهم وتنفيذها ومراقبتها، وتعريف أطفال الشوارع بحقوقهم وبمخاطر المخدرات والأمراض المنقولة جنسيا بما في ذلك الإيدز، وذلك من خلال تعليم النظير للنظير، والتدريب على مهارات الحياة، وتسهيل وصول أطفال الشوارع إلى الخدمات الصحية والتعليمية. وكذلك دعم مشاركة أسرهم إذا كانت صالحة للمشاركة في تأهيل الطفل.

2 ـ ضمان الحماية القانونية لأطفال الشوارع ويتضمن ذلك تطــوير السيـاسات ومراجعة القوانين،وإزالة التناقضات الموجودة بينها وبين الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. وكذلك تدريب الكوادر المتعاملة مع هؤلاء الأطفال وخاصة البرلمــانيين ورجال الشرطة والقضاء.

3 ـ تغيير النظرة السلبية تجاه أطفال الشوارع من الصعب أن تتغير رؤية أطفال الشوارع نحو أنفسهم إذا استمر المجتمع في رؤيتهم والتعامل معهم بشكل سلبي باعتبارهم مجرمين لا ضحايا. ولذلك من الضروري العمل علي تغيير رؤية المجتمع لهم، ويتضمن ذلك إعداد برامج للدعوة وكسب التأييد، وتوعية المواطنين وصناع القرار في المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدنى والقيادات المحلية غير الرسمية من خلال المقابلات والمحاضرات والندوات، ومن خلال وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وعلي سبيل المثال؛ إنتاج أفلام تسجيلية ووثائقية عن قضية أطفال الشوارع، ونشر قصص حقيقية عن نجاحات الأطفال، وإعداد برامج تليفزيونية وإذاعية، وتدريب الصحفيين، وإشراك فنانين ورياضيين ومثقفين عرب في التوعية بقضية أطفال الشوارع.

4 ـ تكوين شبكات محلية وعربية من منظمات المجتمع المدني العاملة مع أطفال الشوارع ويتضمن تبادل الخبرات على المستويين المحلي والعربي، وخلق صلات مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث العربية من أجل إشراك الأكاديميين مع الإخصائيين الميدانيين لملء ثغرات المعرفة ونقص المعلومات. وسوف يشكل الأطفال جزءاً من هذه الشبكة. وسيتم تشجيعهم وتدريبهم لتكوين جمعيات خاصة بهم. كما يشمل ذلك قروضا متناهية الصغر من خلال التنسيق مع شبكات الأمان الاجتماعي ومنها بنوك الفقراء.

المنظمات غير الحكومية وظاهرة أطفال الشوارع

علي الرغم من الدور الأساسى الذي يجب علي الدولة القيام به من خلال مؤسساتها ذات العلاقة بظواهر الأطفال في خطر ، ومن أبرزها ظاهرة أطفال الشوارع ، خاصة من حيث وضع السياسات والخطط والتنسيق بين الفاعلين ، فإن المنظمات غير الحكومية تعتبر هى الفاعل المؤهل للتعامل مباشرة مع هذه الظاهرة أي علي مستوي تنفيذ البرامج والمشروعات الخاصة بحماية وتأهيل أطفال الشوارع . وذلك لأن الطبيعة غير الرسمية تجعل المنظمة والعاملين فيها أقرب إلي نبض المواطنين، وأقدر علي الوعي بمشاكل الأطفال والتواصل معهم، كما أن الطبيعة التطوعية للعمل فيها تجعل تعامل العاملين فى حل المشاكل أكثر إنسانية وأكثر قدرة على تبنى الرؤية الإيجابية نحو الأطفال خاصة إن حصلوا علي التدريب المناسب. كذلك يمكن للمنظمات غير الحكومية الدفاعية Advocacy NGOs أن تقوم بالتوعية، وبتغيير الرؤية السلبية نحو هؤلاء الأطفال، كما أنها أكثر قدرة على توفير التمويل وجمع التبرعات من أجل إقامة مراكز الاستقبال والإيواء المؤقت أو الدائم. كذلك يمكن توفير فرص التدريب والتأهيل المهني لهؤلاء الأطفال بمساعدة الوزارات والمؤسسات المعنية بالمشكلة.

بناء القدرات وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية أصبحت المنظمات غير الحكومية في الحقب الأخيرة آلية جوهرية ضمن آليات حركة المجتمع وتطويره. وفي هذا الإطار زاد الاهتمام بتطوير القطاع غير الحكومي وتحديثه . ومن هنا برز مفهوم "بناء القدرات " الذي حظى بشعبية واسعة وأصبح موضوعا للكثير من أنشطة الهيئات الدولية والوطنية التي تهدف إلى دفع المنظمات غير الحكومية إلى أن تصبح قطاعاً فاعلاً في العملية التنموية. ورغم أن ما يعنينا هنا هو بناء قدرات المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع ، إلا أن قسماً كبيراً من آليات بناء القدرات ينطبق علي جميع المنظمات غير الحكومية أيا كانت اهتماماتها، بالإضافة إلي بعض آليات خاصة بالمنظمات العاملة في حماية وتأهيل كل فئات الأطفال في خطر والقليل منها خاص بأطفال الشوارع.

ويرتبط بناء قدرات المنظمات غير الحكومية كمفهوم بالرغبة في زيادة فاعلية المنظمات وتعظيم قدراتها علي إنجاز أهدافها. وترتبط فاعلية الدور الذى يمكن أن تقوم به المنظمات غير الحكومية بالمنظور الذي يتحدد علي أساسه حجم ونوعية الدور الذي تقوم به . فهو من ناحية يمكن أن يكون دوراً وظيفياً يأخذ فى الاعتبار وظيفة المنظمات غير الحكومية فى تقديم الرعاية للفقراء والمحتاجين، وإشباع حاجات خدمية لفئات اجتماعية معينة أوالمجتمع بشكل عام. وفى هذا الإطار تتسم المنظمات بأنها تحمل جزءاً من العبء عن الدولة، غير أنها بطبيعتها الرعائية الخدمية لا تساهم فى تعظيم مشاركة المواطنين حيث إنهم يظلون مستقبلين سلبيين للرعاية والخدمات.

ومن ناحية أخري قد تتجاوز المنظمات غير الحكومية الدور الرعائى- الخدمي إلى الدور التنموى بمعنى تعزيز القدرات، والدفاع عن الحقوق والتمكين Empowerment للجماعات المستهدفة. ويمكن أن يشمل ذلك الرعاية والخدمات ولكنها تقدم في إطار الرؤية التنموية وبهدف بناء المواطن المشارك الفاعل. وينطبق ذلك النوع علي المنظمات التي تنشط في مجال حماية وتأهيل أطفال الشوارع بتمكينهم من التمتع بالحياة في المجتمع والحصول علي حقوقهم كاملة.

ويمكن تعريف بناء القدرات بالمعنى الأكثر شمولا وفاعلية بأنه: "عملية عمدية تهدف إلى تطوير وتمكين قطاع المنظمات غير الحكومية من تحقيق أغراضه بفاعلية، ومن القيام بدوره البنيوي في تحقيق التنمية والتغيير الاجتماعي."

وبناء القدرات بهذا المعنى هو عملية يتضافر فيها العمل على تطوير وتحسين الظروف المجتمعية الموضوعية التي تشكل البيئة المحيطة المؤثرة في تكوين وحركية المنظمات غير الحكومية، وكذلك العمل على تطوير وتحسين القدرات الذاتية لهذه المنظمات وتمكينها من أداء دورها المنشود بفاعلية.

وبناء على ذلك فإن بناء القدرات في قطاع المنظمات غير الحكومية يعني توافر القدرة على التدخل والتأثير على المستويات التالية:

1.مستوى الظروف المجتمعية الموضوعية للبيئة المحيطة والتي تتفاعل معها المنظمات غير الحكومية وتتأثر بها في أدائها وحركتها.

2.مستوى القدرة الذاتية والبناء الداخلي وآليات العمل في المنظمات غير الحكومية.

تابع...

المصدر: موقع مجداف
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 4165 قراءة
Square_217

ساحة النقاش

أعضاء المنتدى منظمات و أفراد

Newsletter

أصداء مجداف

نشرة إلكترونية عن موقع منتدى المجتمع المدني العربي للطفولة يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية بدعم من برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، للإطلاع على الأعداد الصادرة للنشرة اضغط هنا

اشترك فى النشرة البريدية

أحدث المقالات